الآداب المعنوية للصلاة، الإمام الخميني في مراتب مقامات أهل السلوك

في مراتب مقامات أهل السلوك اعلم أن لاهل السلوك في هذا المقام وسائر المقامات مراتب ومدارج لا تحصى . ونحن نذكر بعض مراتبه على النحو الكلّي ، وأما الإحاطة بجميع جوانبه وإحصاء جميع مراتبه فخارج عن عهدتي وفوق طاقتي ، فإن ” الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق ” . ( قال الصادق عليه السلام : ” الإيمان درجات وطبقات ومنازل ، فمنه التام المنتهي تمامه ومنه الناقص البيّن نقصانه ومنه الراجح الزائد رجحانه ” وقال الباقر عليه السلام : ” إن المؤمنين على منازل ، منهم على واحدة ومنهم على اثنتين ومنهم على ثلاث ومنهم على أربع ومنهم على خمس ومنهم على ستّ ومنهم على سبع ، فلو ذهبت تحمل على صاحب الواحدة اثنتين لم يقوَ ، وعلى صاحب الاثنتين ثلاثا لم يقو ” وساق الحديث ثم قال : ” وعلى هذه الدرجات ” .) فمن تلك المراتب مرتبة العلم وهي أن يثبت بالسلوك العلمي والبرهان الفلسفي ذلة العبودية وعزة الربوبية ، وهذا لبّ من لباب المعارف . فقد اتضح في العلوم العالية والحكمة المتعالية أن جميع دار التحقق وتمام دائرة الوجود إنما هو صرف الربط والتعلّق ومحض الفقر والفاقة أما العزّة والملك والسلطان فمختصة بذاته المقدس الكبريائي وليس لأحد من حظوظ العزة والكبرياء نصيب . وذل العبودية والفقر ثابت في ناصيتهم وفي حاقّ حقيقتهم ، وإنما حقيقة العرفان والشهود ونتيجة الرياضة والسلوك هي رفع الحجاب عن وجه الحقيقة ورؤية ذل العبودية وأصل الفقر والتدلي في نفسه وفي جميع الموجودات ، ولعل في الدعاء المنسوب إلى سيّد الكائنات صلى الله عليه وآله: “اللهم أرني الأشياء كما هي” إشارة إلى هذا المقام بمعنى أنه صلى الله عليه وآله سأل الله سبحانه أن يشهده ذلة العبودية المستلزمة لشهود عزّ الربوبية . فسالك طريق الحقيقة ومسافر سبيل العبودية إذا قطع هذا المنزل بالسلوك العلمي وركب مركب السير الفكري يقع في حجاب العلم ويصل إلى المقام الأول للإنسانية ، ولكن هذا الحجاب من الحجب الغليظة وقد قالوا : العلم هو الحجاب الأكبر ولا بد ألا يبقى في هذا الحجاب وأن يخرقه ولعله إذا اقتنع بهذا المقام وسجن قلبه في هذا القيد يقع في الاستدراج ، والاستدراج في هذا المقام هو أن يشتغل بالتفريعات الكثيرة العلمية ويجوّل فكره في هذا الميدان ، فيقيم لهذا المقصد براهين كثيرة فيحرم من المنازل الأخر ويتعلق قلبه بهذا المقام ويغفل عن النتيجة المطلوبة وهي الوصول إلى الفناء في الله ويصرف عمره في حجاب البرهان وشعبه وكلما كثرت الفروع يصير الحجاب والاحتجاب عن الحقيقة أكثر . فللسالك ألاّ يغتّر بمكايد الشيطان في هذا المقام ولا يحتجب بكثرة العلم وغزارته ، ولا بقوة البرهان عن الحق والحقيقة ويتأخر عن السير في الطلب وله أن يشمّر الذيل بهمّته ، ولا يغفل عن الجدّ في طلب المطلوب الحقيقي حتى ينال المقام الثاني . وهو أن كل ما أدركه عقله بقوة البرهان والسلوك العلمي يكتبه بقلم العقل على صحيفة قلبه كي يوصل حقيقة ذل العبودية وعزّ الربوبية إلى القلب ويفرغ من القيود والحجب العلمية ، ونحن نشير إلى ذلك المقام عن قريب أن شاء الله ، فإذن ، فنتيجة المقام الثاني هي حصول الإيمان بالحقائق . والمقام الثالث هو مقام الاطمئنان والطمأنينة ، وهو في الحقيقة المرتبة الكاملة من الإيمان ، قال تعالى مخاطبا خليله ” أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئنّ قلبي ” ولعلّنا نشير إلى تلك المرتبة أيضاً فيما سيأتي . المرتبة الرابعة هي مقام المشاهدة ، وهو نور الهي وتجلّ رحماني يظهر في سرّ السالك تبعا للتجليات الأسمائية والصفاتية وينوّر جميع قلبه بنور شهوديّ ولهذا المقام درجات كثيرة لا تتسع هذه الأوراق لذكرها . وفي هذه المقام يبرز نموذج من قرب النوافل المعبّر عنه بـ ” كنت سمعه وبصره ” . ويرى السالك نفسه مستغرقا في البحر اللامتناهي ومن ورائه بحر عميق في غاية العمق تنكشف له فيه نبذة من أسرار القدر ، ولكل من هذه المقامات استدراج يختص به وللسالك فيه هلاك عظيم . ولا بدّ للسالك في جميع هذه المقامات من تخليص نفسه من الأنانية وأن يتخلص من رؤية نفسه وحبّها ، فإنه منبع أكثر المفاسد ولا سيّما للسالك وسنشير إلى ذلك المطلب إن شاء الله.